السيد محمد حسين الطهراني

52

معرفة المعاد

ولا يمكن لغير المتناهي أن يحلّ في المتناهي المحدود . ولو جعلنا جميع حجم الكرة الأرضيّة أبداناً - فرضاً - فتعلّق كلّ واحد من النفوس بأحد هذه الأبدان ، لفاض من تلك النفوس عدد كثير ، لأنّها غير محدودة ، ولازم ذلك بقاء كثير من النفوس دون بدن . ولذا فإنّ هذا الفرض مردود لا يمكن قبوله أيضاً . وعلينا من ثَمّ أن نرى أين تقع تلك الأبدان التي تتعلّق بها النفوس بعد الموت . يجب القول إنّها في السماوات ، أي في الأفلاك وطبقات الدُّخان ، لأنّ لدينا تسعة أفلاك ، وهذه الأفلاك كبيرة بحيث لا يعلم أبعادها إلّا الله تعالى . وأصغر الأفلاك فلك القمر المحيط بجميع هذا العالم ، فضلًا عن الأفلاك الأكبر منه . فنفوس الناس تتعلّق بعد الموت بتلك الأفلاك ، حيث يتّخذ قدر من الفلك هيئة بدن الإنسان فتتعلّق به نفس الإنسان ، ويحصل جميع الثواب والعذاب بواسطة ذلك البدن . نظريّة الفارابيّ في أنّ أبدان بعد الموت في الأفلاك وبالطبع فإنّه ليس كمثل البدن الطبيعيّ الثقيل الذي يمتلك جرماً ، بل هو مادّيّ لطيف زلال ، ويمكن إجمالًا قبول هذا الكلام من ابن سينا . ويقول الخواجة نصير الدين الطوسيّ قدّس الله سرّه : وأظنّ أنّ أصل هذا الكلام من الفارابيّ . « 1 »

--> ( 1 ) - ينقل المرحوم الملّا صدرا في « الأسفار » قصّة جرم الأفلاك والمواد الدخانيّة لتعلّق النفوس الخسيسة من أصحاب اليمين وأصحاب الشمال بعد مفارقة البدن ، وذلك عن ابن سينا ، عمّن لا يجازف في قوله ( وقال العلّامة الطوسيّ : وأظنّه يريد الفارابيّ ) ، ثمّ يقول بعد أن يورد عليه عدّة إشكالات : والعجب أنّ ما صوّره الشيخ والفارابيّ أحسن وأجود من سائر ما في كتب غيرهما من الإسلاميّين . ولذا فقد اختاره الغزّاليّ في كثير من مصنّفاته ، كمواضع من « إحياء العلوم » وفي رسالته « المضنون به على غير أهله » ، وذلك بعد أن شرحه مفصّلًا . ثُمّ يقول الملّا صدرا : وأكثر هذه المطالب يوافق ما نقلناه عن « الشفاء » ولعلّه اقتبس منه . ( « الأسفار » ج 9 ، ص 148 إلى 253 ، الطبعة الحروفيّة ) . وقد ذكر الغزّاليّ هذه المطالب مفصّلًا في رسالة « المضنون به على غير أهله » المطبوعة في هامش رسالة « الإنسان الكامل » لعبد الكريم الجيليّ ، ج 2 ، ص 84 و 85 ، طبعة المطبعة الأزهريّة - مصر ، سنة 1316 هجرية .